القرطبي

354

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

إلا الله ) . فدلت الآية والحديث على أن سبب القتال هو الكفر ، لأنه قال : " حتى لا تكون فتنة " أي كفر ، فجعل الغاية عدم الكفر ، وهذا ظاهر . قال ابن عباس وقتادة والربيع والسدي وغيرهم : الفتنة هناك الشرك وما تابعه من أذى المؤمنين . وأصل الفتنة : الاختبار والامتحان ، مأخوذ من فتنت الفضة إذا أدخلتها في النار لتميز رديئها من جيدها . وسيأتي بيان محاملها إن شاء الله تعالى . الثانية - قوله تعالى : " فإن انتهوا " أي عن الكفر ، إما بالاسلام كما تقدم في الآية قبل ، أو بأداء الجزية في حق أهل الكتاب ، على ما يأتي بيانه في " براءة " ( 1 ) وإلا قوتلوا وهم الظالمون عدوان إلا عليهم . وسمي ما يصنع بالظالمين عدوانا من حيث هو جزاء عدوان ، إذ الظلم يتضمن العدوان ، فسمي جزاء العدوان عدوانا ، كقوله : " وجزاء سيئة سيئة مثلها " ( 2 ) . [ الشورى : 40 ] . والظالمون هم على أحد التأويلين : من بدأ بقتال ، وعلى التأويل الاخر : من بقي على كفر وفتنة . قوله تعالى : الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين ( 194 ) . فيه عشر مسائل : الأولى - قوله تعالى : " الشهر الحرام " قد تقدم اشتقاق الشهر ( 3 ) . وسبب نزولها ما روي عن ابن عباس وقتادة ومجاهد ومقسم والسدي والربيع والضحاك وغيرهم قالوا : نزلت في عمرة القضية وعام الحديبية ، [ وذلك ( 4 ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا حتى بلغ الحديبية ] في ذي القعدة سنة ست ، فصده المشركون كفار قريش عن البيت فانصرف ، ووعده الله سبحانه أنه سيدخله ، فدخله سنة سبع وقضى نسكه ، فنزلت هذه الآية . وروي عن الحسن أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أنهيت يا محمد عن القتال في الشهر الحرام ؟ قال : ( نعم ) . فأرادوا قتاله ، فنزلت الآية . المعنى : إن استحلوا ذلك فيه فقاتلهم ، فأباح الله بالآية مدافعتهم ، والقول الأول أشهر وعليه الأكثر .

--> ( 1 ) راجع ج 8 ص 109 . ( 2 ) راجع ج 16 ص 40 . ( 3 ) راجع ص 290 من هذا الجزء . ( 4 ) ما بين المربعين ساقط من ب .